أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )

363

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون

والثاني : أنه عطف على الصلة ، وعلى هذين الوجهين فلا محلّ له من الإعراب . والثالث : أنه حال من فاعل « يُنْفِقُونَ » إلا أن هذين الوجهين الأخيرين - أعني العطف على الصلة والحالية - يمتنعان على الوجه المحكي عن المهدوي ، وهو كون « رِئاءَ » حالا من نفس الموصول ؛ لئلا يلزم الفصل بين أبعاض الصلة أو بين الصلة ومعمولها بأجنبي وهو « رِئاءَ » ؛ لأنه حال من الموصول لا تعلّق له بالصلة ، بخلاف ما إذا جعلناه مفعولا له أو حالا من فاعل « يُنْفِقُونَ » فإنه على الوجهين معمول ل « يُنْفِقُونَ » فليس أجنبيا ، فلم يبال بالفصل به . وفي جعل « وَلا يُؤْمِنُونَ » حالا نظر من حيث إن بعضهم نص على أن المضارع المنفيّ ب « لا » كالمثبت في أنه لا تدخل عليه واو الحال ، وهو محلّ توقّف . وكررت « لا » في قوله : وَلا بِالْيَوْمِ » وكذا الباء إشعارا بأن الإيمان منتف عن كلّ على حدته لو قلت : « لا أضرب زيدا وعمرا » احتمل نفي الضرب عن المجموع ، ولا يلزم منه نفي الضرب عن كلّ واحد على انفراده ، واحتمل نفيه عن كل واحد بانفراده ، فإذا قلت : « ولا عمرا » تعيّن هذا الثاني . قوله : فَساءَ قَرِيناً في « ساء » هذه احتمالان : أحدهما : أنها نقلت إلى الذمّ فجرت مجرى « بئس » ، ففيها ضمير فاعل لها مفسّر بالنكرة بعده ، وهي « قَرِيناً » ، والمخصوص بالذم محذوف أي : فساء قرينا هو ، وهو عائد : إما على الشيطان وهو الظاهر ، وإما على « من » وقد تقدّم حكم نعم وبئس . والثاني : أنها على بابها فهي متعدية ومفعولها محذوف ، و « قَرِيناً » على هذا منصوب على الحال أو على القطع ، والتقدير : فساءه أي : فساء الشيطان مصاحبه . واحتجوا للوجه الأول ، بأنه كان ينبغي أن يحذف الفاء من « فَساءَ » أو تقترن به « قد » ؛ لأنه حينئذ فعل متصرف ماض ، وما كان كذلك ووقع جوابا للشرط تجرّد من الفاء أو اقترن ب « قد » ، هذا معنى كلام الشيخ « 1 » . وفيه نظر لقوله تعالى : وَمَنْ جاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَكُبَّتْ « 2 » وَإِنْ كانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ فَكَذَبَتْ « 3 » فما يؤوّل به هذا ونحوه يتأوّل به هذا . وممّن ذهب إلى أنّ « قَرِيناً » منصوب على الحال ابن عطية ، ولكن يحتمل أن يكون قائلا بأنّ « ساء » متعدية ، وأن يكون قائلا برأي الكوفيين ، فإنهم ينصبون ما بعد نعم وبئس على الحال . والقرين : المصاحب الملازم ، وهو فعيل بمعنى مفاعل كالخليط والجليس . والقرن : الحبل ، لأنه يقرن به بين البعيرين قال : 1588 - وابن اللّبون إذا ما لزّ في قرن * . . . « 4 » قوله تعالى : وَما ذا عَلَيْهِمْ : قد تقدّم الكلام على نظيرتها ، وهذا يحتمل أن يكون الكلام قد تمّ هنا أي : وأيّ شيء عليهم في الإيمان باللّه ، أو : وماذا عليهم من الوبال والعذاب يوم القيامة ، ثم استأنف بقوله « لَوْ آمَنُوا » ويكون جوابها محذوفا أي : لحصلت لهم السعادة . ويحتمل أن يكون تمام الكلام ب « لَوْ » وما بعدها ، وذلك على جعل « لو » مصدرية عند من يثبت لها ذلك أي : وماذا عليهم في الإيمان ، ولا جواب لها حينئذ . وأجاز ابن عطية أن يكون « ما ذا عَلَيْهِمْ » جوابا ل « لو » فإن أراد من جهة المعنى فمسلّم ، وإن أراد من جهة الصناعة ففاسد ؛ لأنّ الجواب الصناعيّ

--> ( 1 ) انظر البحر المحيط ( 3 / 248 ) . ( 2 ) سورة النمل ، آية ( 27 ) . ( 3 ) سورة يوسف ، آية ( 27 ) . ( 4 ) تقدم .